|

في يوم الشهيد العراقي
أحياء تحت التراب
فيلم سينمائي يتحدث عن المقابر الجماعية في مدينة الناصرية
الجزء الأول
جواد المنتفجي
-1-
الناصرية:
مدينة وارفة بشموخها منذ الأزل :
توارثت العزة من أسلافها الخالدين.. ممن كانوا يجاهدون بالغالي والنفيس دفاعا عن عقيدتهم وأرضهم التي عاشوا على بقاعها الطاهرة فكان النصر المؤزر حليفهم ، حدث ذلك قبل آلاف السنين ، ولا زال هذا يحدث اليوم منذ ولادة أبو الأنبياء إبراهيم الخليل ( ع) ، وانتهاء بشعب عرف عنه بأنه نسب لأقدم حضارة سعت إلى سنن أرقى الأنظمة والقوانين ، وهكذا حقق نجاحاته في كافة الميادين نتيجة لما قام به هذا الشعب من تنظيم راقي فاق كل التصورات ليعلن نجاحاته السياسية والثقافية والاقتصادية وشتى الفنون الأخرى ، فأذهل العالم بإبداعاته المتتالية والتي ظلت محفورة في ذاكرة التاريخ ، وهذا لا يخفى على كل من تعمق بدراسة وفهم ما قام به أبناء هذه المدينة البررة والذين علموا الخليقة أيضا كيف تكتب مسيرتها الجهادية بأحرف من نور ، فلا تندهش حينما تبهرك كلمات شهدائها التي خطت بدمائهم الزكية على جدران الأزقة والحارات ، أو على تلك الرايات الخفاقة التي حملوا لوائها وراحت ترفرف بزهو وهي تعتلي شناشيل البيوتات والمضايف في كل مناسبة لأنهم عزموا فيما بينهم على أن كلمة الله هي العليا ، والأجل هذا كله كان طريق الشهادة الذي سلكته كوكبة من أبنائها أحد سبل الحياة المعبدة بالدم.
-2-
وعلى مشارف مدينة الجهاد تلك :
وحالما تولج أليها ومن أي مدخلا من مداخلها ، تتآلف لأنفاسك رائحة أهلها الأتقياء المؤمنين ، فكأنك تحس ولوهلة الأولى بان تلك الرائحة تنث بمزيجها الخليط من هواء بساتينها والمتناثرة بين القصبات هنا وهناك ، حيثما كانت ولا زالت أنفاسها تشكل دوائر كبيرة تتكون نهاياتها حزم من أطياف شمسية تشبه قوس قزح ظل يزين بوابات تلك المداخل ، وكأنك تتخيل انه كتب في علو طوقها : ( مرحبا بكم بمدينة الناصرية الفيحاء .. بوابة الجهاد والفداء ) ، لذا فلا تتعجب وان توهجت عينيك بنور انتفاضات أهلها منذ اليوم الذي قرروا فيه مقارعة الطواغيت بدية دفعوها من دمائهم الطاهرة ، ومن هنا يتراء لك ومن خلال مسلسل من شواهد حية كيف مجدت تلك الانتفاضات تغنج أبنائها ببطولات أول أجدادهم .. الأجداد الذين بقينا نفتخر بعوالم صنعوها في عصورهم الذهبية امتثالا بمن قاوم الظلم منذ قيام أولى حضاراتها والمتمثلة بـ ( اريدو – كيش – أور- اوما- باد تيبرا- ثورة العشرين- الانتفاضات العارمة منذ تولي الحزب الفاشي للسلطة ) ، أحداث تزاوجت مع محن وماسي زمنها الصعب وعبر متتاليات عددية جرت ضروب تأثيرات وقائعها بحقب قرون مظلمة لتثبت لمن توافدوا على عرين هذه المدينة من شتى إرجاء المعمورة أن هناك سر في عشق هذه الأرض.. عشقا كان يهندس مشاريعه الجهادية رجالا بدؤوا يقارعون الظلم الذي مر عليهم بفترات متعاقبة منذ حكم (العيلاميون – ثم الساسانيون – والعثمانيون – والإنكليز ) ، وهذا ما غاض كل من طغى على تولي قيادة دفتها ، بل وهذا ما جعل من ازدراها بحقده المدفون أن لا يتوانى حتى وان دفن جميع أهلها ليكونوا أحياء عند ربهم يرزقون ، بل وتماد مرتزقة أولئك الحكام بغيظهم المحقون يوم استأنف جلاوزتهم بإكمال وصلة جرائمهم التي تباهوا فيها أمام أنظار الخليقة ليثبتوا للعالم أنهم لم يتورعوا بالذبح فقط وإنما فاقوا كل الخليقة على هذه الفانية عندما بدؤوا يؤسسون لهم ذكريات سيئة في تاريخهم المظلم فكانت علامات ساعتها الجثث المدفونة في أغوار اكبر المدافن الجماعية في العالم ، وهذا ما نوهت عنه في قصيدتي المسماة بـ ( اللعبة ) :
وانكشفت أسرار اللعبة
بطلها كان طاغوت..
ولد من أرحام فجر الظلمة
كان عهده ليلا طويلا
فتوغل مكسورا..
في كتب ، وكراريس الذكرى
في عهده ..
طالت هموم الغربة،
كانت يده الطولى ،
لرحيل أحباب في القلب كانوا..
ماتوا من ندب حجابات المنفى ،
والمشنوقين ممن صرخوا
كلا للتيار الممتد..
( من زاخو حد البصرة ) في عهده..
ضاعت أنات المأسورين
ممن فقدوا..
في أدغال الأقفاص المهجورة،
وطرود فرج الذكرى
وانكشفت أسرار اللعبة
لما فاحت..
روائح مسك الرفات المقهورة، من بطائح الأرض الحبلى
كان طاووسا،
صار مشنوقا..
ينتقي أجنحة ديدان الموت،
ويسابق محاريث أشباح الظلمة
بجرائمه..
فاق كل أبطال القصة،
ولما اندحر في نهاية اللعبة..
صارت كل الأعناق المشنوقة
تتحدى الأوثان المذبوحة
المفترشة متسعات الرؤيا،
من ( زاخو حد البصرة )
كانت لعبة ..
صارت قصة
أمست ذمة في كتب..
ومضاجع كراريس الذكرى
|