حوار مع الدكتور عبدالرحمن الجبرين

حوار مع الدكتور عبدالرحمن الجبرين

 

د. حمزة بن قبلان المزيني


 

تفضل الدكتور عبدالرحمن بن عبدالله الجبرين، الأستاذ في كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، بالتعقيب على مقالي الذي نشرته "الوطن" بعنوان "دعاة لا معلمون" (الوطن 14/2/1424). وأبادر بالتعبير عن سروري البالغ باللغة التي استخدمها الدكتور الجبرين في تعقيبه وبحسن ظنه بي الذي عبر عنه في أول تعقيبه وفي آخره. فقد ظن بي خيرا حين قال إنه لا يظن أني أقصد أن الدعوة "جريمة ومرض اجتماعي"، وحين اتفق معي على بعض العموميات عن مستوى التعليم غير المُرضي، وحين قال: "... وأجزم أنه لا يريد أننا يجب أن نكون علمانيين في مناهجنا..."، وقوله: "ومع مخالفتي لبعض ما طرحه الأخ الكريم إلا أني أكرر شكري له على غيرته على الوطن وحرصه على مصلحة المسلمين وأسأل الله لي وله التوفيق".
ويختلف هذا التعبير الراقي عن جميع التعقيبات التي نشرتها"الوطن "اعتراضا على ما كتبته. ذلك أن تلك التعقيبات تفترض أني عدو للدعوة أو أني منسلخ من ديني أو أن صدري ضيق بكل ما يتصل بالإسلام. كما يختلف اختلافا جذريا عن أكثر من خمسمائة اتصال هاتفي وأكثر من ثلاثمائة رسالة "جوالية"، إلى الآن، تشترك كلها في اتهامي بالخروج عن الإسلام وتشتمني بأقذع العبارات وتدْعي عليَّ بأمور لا يمكن أن يدعى بها حتى على كافر. وسوف أخص تلك الاتصالات والرسائل بمقال مستقل إن شاء الله.
وتشجع اللغة التي استخدمها الدكتور عبدالرحمن والروح التي كتب بها ذلك التعقيب على الحوار المثمر وعلى تبادل وجهات النظر بصدور منشرحة تنطوي على حسن الظن المتبادل بين الإخوة من المواطنين الحريصين على نقاء الإسلام وحسن الالتزام به والارتقاء بالتعليم.


ويمكنني الآن تناول بعض النقاط التي اعترض بها عليَّ بحسب ما يتسع له المجال هنا.


1
ـ يقول الدكتور الجبرين: "... لكني أخالفه في ذكره لموضوع الموت والحجاب، فهما موضوعان مهمان في حياة مجتمعنا السعودي".
ولم يبين الدكتور الجبرين سبب كونهما مهمين للمجتمع السعودي؟ أَنَفهم من هذا أننا وحدنا في المملكة المعنيون بالموت والحجاب؟ هل يختلف إسلامنا عن الإسلام الذي ينتشر في أقطار الأرض كلها؟ أنحن أفضل إسلاما من غيرنا من المسلمين؟

 

2ـ أتى الدكتور الجبرين ببعض التعميمات التي لم يدعمها بدليل. ومنها أن "استغلال المواد التعليمية حتى العلمية البحتة منها في التوجيه مطلب من أبرز المطالب التربوية على مستوى العالم"؛ و"أن المعلمين الدعاة هم في الغالب أبرز الطاقات التربوية التي تفاخر بها وزارة المعارف"؛ و"أن الطلاب المتميزين والمتفوقين في المدارس في الجملة هم الذين تأثروا بالدعوة وتشبعت بها نفوسهم"؛ و"أن موضوع الجهاد ليس من الموضوعات المطروقة بكثرة".
وأنا أستطيع، وغيري يستطيع، الإتيان بما ينقض كل واحدة من هذه التعميمات، وإن صاغها الدكتور الجبرين بطريقة تمريضية ربما أراد منها اتقاء عبء البرهنة عليها.


3ـ يقول إن تعليلي للنهي عن زيارة النساء للقبور ليس صحيحاً،  ويورد تعليلا آخر هو "أنهن يفتنَّ الأحياء ويؤذين الأموات". وفات الدكتور الجبرين أن هذا التعليل ليس من عندي بل هو ما تعلّّمناه في المدارس. ثم إن الدكتور الجبرين لم يورد إلا هذا التعليل وهو ما يوحي بأنه الوحيد. لكن الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله يرى أن " السبب في ذلك والله أعلم أنهن في الغالب قليلات الصبر، فقد يحصل منهن من النياحة ونحوها ما ينافي الصبر الواجب وهن فتنة، فزيارتهن للقبور واتباعهن للجنائز قد يفتتن بهن الرجال وقد يفتتن بالرجال، والشريعة الإسلامية الكاملة جاءت بسد الذرائع المفضية إلى الفساد والفتن،..." (موقع الشيخ ابن باز على الإنترنت).
ويبدو أن التعليل الأول كان التعليلَ السائد قبل ثلاثين سنة حين كنا في مراحل التعليم العام، ثم أضيف إليه التعليل الثاني بعد أن تطورت النظرة إلى المرأة حتى كادت تُعدُّ شيطانا يجب أن يُحبس في قمقم. ثم كيف يتصور أحد أنه يمكن أن يكون الرجال في المقابر عرضة لمثل هذه الفتنة، مع أن المطلوب منهم تذكر الموت والاتعاظ بالأموات؟ إن هذا غير متصور إلا من رجال لا يتعظون بأي واعظ.
ومهما كان الأمر، فإن كنتُ مذنبا في اقتصاري على ذكر العلة المعهودة لهذا النهي وأغفلتُ، عن جهل ربما، ذكر العلة التي ذكرها الدكتور الجبرين، فإنه ليس معذورا مثلي لعدم ذكره التعليل الأول. وهو وأنا متساويان، إذن، في عدم ذكر العلتين كلتيهما معا.


4ـ كأنّ الدكتورعبدالرحمن يرى ألا بأس من صرف مدرسي الرياضيات والأحياء والكيمياء والعلوم الطبيعية أجزاء من حصص هذه المواد في الدعوة. أما أنا فيبدو لي أن هذا الفعل يمكن أن يعد خيانة للأمانة؛ ذلك أن الأمانة التي أوكلت إليهم هي تدريس هذه المواد لا غيرها. وربما استطاع الدكتور الجبرين أن يفتينا في حل أو حرمة الرواتب التي يتقاضاها المدرسون الذين لا يدرِّسون المواد التي يوكل إليهم تدريسها على الوجه المطلوب. ذلك أنهم يتقاضونها بموجب عقد بينهم وبين وزارة المعارف يوجب عليهم تدريسها هي لا غيرها وأن يصرفوا الوقت المخصص لها وحدها، وإذا لم يوفوا بالعقد فإنهم يتقاضون رواتب عن أعمال لم يقوموا بها على الوجه المطلوب.
فنحن بحاجة إلى أن ينصرف معلم الرياضيات إلى إكساب طلابه المهارات اللازمة في هذا الميدان والتفوق فيه والإبداع الأصيل في ما بعد. وينطبق هذا على مدرسي الكيمياء والأحياء وعلوم الطبيعة وغيرها (وهذا من أوضح وجوه النصح للمسلمين والاهتمام بهم).


5ـ نعلم جميعاً أن سبب ما نراه من ضعف المسلمين لم يأت من أنهم لا يخشون الله والدار الآخرة، فالغالب منهم كذلك، بل جاءهم نتيجة لضعفهم العلمي والعسكري والاقتصادي والسياسي. ويعود هذا لعدم تعلمهم العلوم الحديثة بطريقة صحيحة مجدية، وهي التي يمكن أن تعينهم في إرساء دعائم القوة التي تحميهم من أعدائهم.


6ـ أما اعتراضه على قولي بأن المناهج لدراسية صبغت جميعها بصبغة دينية فالمعنى الذي أقصده واضح، في ما أحسب؛ ذلك أن مناهج اللغة الإنجليزية مثلا لا تتحدث عن المجتمعات التي تتكلم هذه اللغة، بل تتحدث عن ما يمكن أن نقوله لهم عن ديننا في المقام الأول. أما الواجب، في نظري، فهو أن يكون الهدف من هذه اللغة أن نتعرف تلك المجتمعات من خلال لغتها ونتعرف ثقافاتها حتى نفهمها لكي نتعامل معها بصورة صحيحة.
وأكتفي بهذه الملحوظات
على تعقيب الدكتور الجبرين، وأكرر شكري له على حسن ظنه بي.

 


صحيفة الوطن بتاريخ 24 إبريل 2003م