الهمزة والديمقراطية
د. حمزة بن قبلان المزيني
يكاد يتفق ملاحظو الشأن العربي جميعا على أن العرب يعانون من مشكلات لا حصر لها في استعمالهم اللغة العربية. وهناك أسباب عميقة جدا تقف وراء هذا العجز اللغوي الذي لا تخطئه الآذان. ولا أريد هنا وصف هذا الضعف، ولا اقتراح حلول له؛ أما ما أريده فهو عرض مثالين منه يتفق الملاحظون جميعا على وجودهما وعلى عدم بذل العرب أي جهد لإصلاحهما.
والمشكلة الأولى أن الحكومة العراقية كَتَبت على العَلَم الوطني للعراق منذ احتلالها للكويت عبارة "الله أكبر". وليس هذا مدار الكلام هنا. أما الموضوع الذي سأتحدث عنه فهو أن لفظ الجلالة في هذا الشعار كُتب هكذا: "ألله". هذا مع أن صغار الطلاب يعلَّمون أن الهمزة في "ال ـ التعريف" "همزةُ وصل"، لا "همزة قطع"، وهو ما ينطبق على كتابة لفظ الجلالة.
ولم أقرأ منذ اليوم الأول لكتابة اسم الجلالة في هذا الشعار على هذا النحو أن عراقيا أو عربيا اعترض على هذا الصنيع. فما السبب يا ترى؟
وربما سهُل الأمر لو ارتُكب هذا الخطأ الإملائي الفاضح في قطر عربي آخر غير العراق. أما أن يرتكب في العراق فهذا ما لا يمكن أن يُتسامح فيه.
لقد نشأت علوم العربية في المدن التي أنشأها العرب المسلمون في العراق بعد الفتح الإسلامي، وقُعِّدت اللغة العربية فيها، ونشأ كبار النحويين واللغويين هناك. وظلت العراق مركزا مهمًّا للدراسات اللغوية طوال العصور، منذ عيسى بن عمر وأبي عمرو بن العلاء والخليل بن أحمد وسيبويه، ومن تلاهم حتى العصر الحديث الذي عاش فيه أعلام الدراسة اللغوية العربية، مثل الأب أنستاس الكرملي ومصطفى جواد وغيرهما. ثم إن في العراق واحدا من أقدم مجامع اللغة العربية وأهمها وأكثرها حرصا على صيانة اللغة العربية.
فكيف رضي العراقيون إذن بأن يتضمن علَم بلادهم التي عُرفت بالحفاظ على اللغة العربية خطأ إملائيا لا يخفى على الصغار قبل الكبار؟
وربما دلَّ عدم إصلاح هذا الخطأ، على الرغم من مرور اثنتي عشرة سنة على ارتكابه، على أمور خطيرة جدا: فهل يكمن سبب ذلك في خلوّ العراق من الحريصين على اللغة العربية؟ أو هل يكمن في أن العراقيين جميعا لم يلحظوا هذا الخطأ؟ وكلا السببين غير ممكن. فما السبب، إذن؟
ويبدو أن السبب يكمن في أن جهل الزعامة العراقية غير المؤهلة علميا وفكريا ولغويا، وهي التي فسدت ملَكَتها اللغوية كفساد كل شيء آخر فيها، صوَّر لها أن كتابة اسم الجلالة بهذا الشكل يدل على عمق الإيمان لأن الهمزة المحققة أقربُ الأصوات العربية إلى الجوف. وهذا متوقع من جاهل. أما سبب عدم إنكار أحد في العراق هذا الخطأ فيعود، كما يبدو، إلى أن هذه الزعامة نجحت نجاحا لا نظير له في زرع الخوف في قلوب العراقيين حتى وصل الأمر إلى عدم جرأة أحد منهم على معارضة هذه الزعامة حتى حين تقع في خطأ ظاهر لا يمثل التنبيهُ إليه مساسا بالسلطة.
وبقاء هذا الخطأ خطر على الأجيال القادمة؛ ذلك أن هذا المثال الصارخ للخطأ ربما ينعكس على الطلاب الصغار الذين يتعلمون كتابة لغتهم. إذ سينشأون على استمرائه وأُلفته، بل عدّه صحيحا. ويشبه هذا غرام الزعامة العراقية بتدخين السيجار علَنا، حيث لا يجرؤ أحد على نصحها بأن العالم كله يحارب التدخين، وأن الظهور بهذا المظهر ربما يؤدي بالشباب العراقيين إلى تقليدهم في هذه العادة السيئة الضارة صحيا.
ويلفت هذا الأمر النظر إلى مشكلة أعمق؛ وهي أنه ما دام المواطنون العراقيون عاجزين عن حمل زعامتهم على تغيير هذا الخطأ اللغوي، فكيف يمكن لهم أن يغيروا ما هو أكبر منه وأجلُّ خطرا؟
وكنت أتمنى أن تتخذ مؤتمرات القمة العربية التي اتخذت قرارات تحثُّ العراق على نزع أسلحة الدمار الشامل قرارا تحث فيه العراق على نزع هذه الهمزة. لكني أظن أن الزعامات العربية الأخرى نفسها لا تعي هذه المشكلة، وهو ما يدل على فساد ملكاتها اللغوية أيضا. ولا أدل على ذلك من الخطب التي يلقيها هؤلاء الزعماء في مثل هذه المؤتمرات؛ فهي تفتقر إلى الصحة اللغوية، أوَّلا، وتكاد تكون عامية، ثانيا، وتنطق نطقا ممسوخا، ثالثا.
وتتعلق المشكلة اللغوية الثانية التي لم يستطع العرب لها حلا بالديموقراطية. فمن الواضح أن كلمة "ديموقراطية" الأجنبية لم تنسجم مع قوانين الصرف العربي إلى الآن. إذ لم ينجح العرب في "تعريبها" كي تتصرف بالطريقة التي تتصرف بها الكلمات العربية، وهو ما سيَبرهن على دخولها الشرعي في معجم العربية.
والدليل على قولي هذا أن الفعل الذي يصوغه الكتّاب والمتحدثون العرب من هذه الكلمة يخرج على الموازين الصرفية. فيقال مثلا "دَمَقْرَط". وكذلك المصدر، إذ يصاغ على "دمَقْرَطة". ولم أسمعها منسوبا إليها إلا بلفظها الأجنبي: "ديموقراطي".
أما لو أفلح العرب في إدخال هذه الكلمة إلى معجم العربية حقا فسوف تجري عليها بعض التشذيبات حتى تُلحق بالأوزان العربية. ولو حصل ذلك لكان المصدر منها "دَقْرَطة"، بعد حذف الأصوات التي تجعلها عصية على الوزن العربي. ولأمكن حينذاك أن نصوغ منها فعلا يخضع للشروط الصرفية العربية مثل: "دَقْرَط"، ولنَسَبنا إليها بصيغتها المعرَّبة وقلنا "دَقْرَطي".
وربما يوحي عدم نجاح العرب في جعل هذه الكلمة تنسجم مع النظام الصرفي العربي بأن المفهوم الذي تعبر عنه لم يدخل، حقيقة، في الثقافة العربية. ولو دخل لسهَّل ذلك نحتَ صيغة عربية تعبر عنه.
وقد سخر كثير من الكتّاب العرب من كولن باول، وزير الخارجية الأمريكية، حين ذكر أن الحكومة الأمريكية خصصت 29 مليون دولار لنشر الديموقراطية في العالم العربي. وسبب تلك السخرية أن هذا المبلغ زهيد جدا. أما أنا فقد وجدت شيئا يمكن أن تصرف فيه هذه الملايين القليلة، وأظنها كافية جدا. وهو أن تُخصَّص لمصاريف عقْد دورات في العواصم العربية يُمرَّن فيها المواطنون العرب على صياغة هذه الكلمة بحسب الميزان الصرفي في اللغة العربية. أو أن تصرف في عقد ندوات تلفازية وإذاعية يتناول فيها المشاركون مسألة تصريف هذه الكلمة وتبيين ذلك للناس. أو تصرف في كتابة منشورات توضح الطريقة العربية في تصريفها، ويحسُن أن تلقي الطائرات التي تحتشد الآن في سماء الوطن العربي هذه المنشورات ليلتقطها الناس ويتمرنون أولا على استساغة هذه الكلمة بلفظها العربي، وهذا شرط أساس لتطبيق مفهومها.
جريدة الوطن بتاريخ 13 مارس 2003م