أنا في صحبةٍ طيبة

أنا في صُحبةٍ طيّبة

 

د. حمزة بن قبلان المزيني


 عقَّب عدد من القراء على المقال الذي كتبتُه بعنوان "ثقافة الموت في مدارسنا" (الوطن، العدد 909، 24/1/1424-27/3/2003). واعترض أكثرهم على ما كتبتُه؛ وزعم أحدهم أنه يكاد يخيل إليه أن من كتب ذلك المقال أمريكي لا ينتسب إلى الإسلام.
ولا أريد هنا الدفاع عن نفسي، فقد كان ما كتبته صادرا عن قناعة بأن تلك الممارسات والنشاطات التي تقام في المدارس بالكيفية التي أشرت إليها لا تنتمي إلى الفهم السليم للدين، وهي تمثل خطرا على أبنائنا وبناتنا في فترة التكوين النفسي والمعرفي. وبعد ذلك كله فما كتبته وجهة نظر لا أفرضها على أحد، وللآخرين أن ينظروا إلى هذا الأمر بما تهديهم إليه عقولهم.
لكني أكتب هذا المقال لأوضح للقراء الكرام عموما أن هناك مسلمين أسوياء يشاركونني الرأي ويتفقون معي فيما ذهبت إليه. وسوف أورد أمثلة قليلة لوجهات نظر صدرت عن مسلمين لا يمكن لأحد أن يزايد عليهم من حيث الانتماء الصادق للإسلام، وهم ينكرون تلك الممارسات بالطريقة التي أنكرتُها بها.
والمثال الأول ما نشرتْه صحيفة الشرق الأوسط في عددها الصادر يوم الجمعة بتاريخ 4/4/2003 (ص11) تحت عنوان "ثلاثة نواب يستجوبون وزير التعليم المصري حول تدريس كتب عن "عذاب القبر" في مدرسة خاصة". يقول الخبر:
"أثار ثلاثة من نواب البرلمان المصري قضية تدريس كتب عن أهوال يوم القيامة وعذاب القبر والمسيح الدجال والعلامات السابقة على ظهوره في إحدى المدارس الخاصة بالقاهرة الكبرى، أمام البرلمان وقدموا استجوابًا لوزير التعليم.
وحمَّل النوابُ الثلاثة، وهم نائبا الإخوان المسلمين الدكتور إبراهيم حمدي حسن وحسين إبراهيم ونائب حزب الوفد المعارض محمد عبد العليم داود، وزيرَ التعليم مسؤولية تدريس كتب بعيدة عن المناهج الدراسية في إحدى مدارس القاهرة الكبرى.
وتدور وقائع المواجهة المتوقع لها الأسبوع المقبل بين النواب الثلاثة والوزير حول ما تسرب إلى النواب من معلومات عن قيام إحدى المدارس الخاصة بتدريس كتب تتناول المسيح الدجال والعلامات السابقة على ظهوره وأخرى تتعلق بعذاب القبر وما يحدث بداخله وكتب أخرى خاصة بأهوال يوم القيامة وتفسير الأحلام.
ويكشف كتاب "عذاب القبر" عن العديد من الروايات والقصص عن الثعبان الأقرع، والحوارات التي تدور بينه وبين الميت، ويواصل وصفه لهذا الثعبان.
وأكد النواب خطورة عرض مثل هذه الكتب التي تتحدث عن تخاريف وتتجنب الحقائق وقالوا إن هذه الكتب قد تخلِّف عند أطفال مصر أمراضا نفسية جسيمة وهو ما يتطلب مواجهتها بكل قوة.
وطالب نواب البرلمان بضرورة تشكيل لجان خاصة من قيادات وزارة التربية والتعليم للقيام بحملات تفتيشية مفاجئة على المدارس الخاصة في المناطق البعيدة العشوائية، والتي تستغل التدريس وتربية النشء استغلالا سيئا وتبث فيه روح العداء واليأس وتبتعد به عن صلب العملية التعليمية ليكون نشء مصر الجديد عرضة للضياع والانصراف إلى جماعات الإرهاب والتطرف".
أرأيتم؟! إنها الحالة نفسها، وإن كانت على نطاق أضيق مما هي عليه عندنا.
ثم ألا يلفت النظرَ الأشخاصُ الذين تقدموا بهذه المساءلة لوزير التربية والتعليم في البرلمان المصري؟ إن اثنين منهم من نواب الإخوان المسلمين! ومن هنا لا يستطيع أحد أن يتهمهم، بسبب موقفهم هذا، بالعمالة لأمريكا، أو بالعلمانية، أو بالعصرنة، أو بمعاداة الدين وأهله.
ويمثل ما ورد في الخبر منسوبا إلى هؤلاء النواب دعما لوجهة نظري التي مفادها أن لهذه الممارسات أثارا سيئة على نفسيات الطلاب الصغار وأنها ربما تستخدم لأغراض أخرى غير دينية، كتجنيد الأتباع في جماعات التطرف.
وقد تلقيت بعد نشر ذلك المقال عددا من ردود الفعل التي تتفق مع موقفي الذي عبرتُ عنه. وكانت تلك الردود صادرة عن أناس من مختلف التوجهات الفكرية والثقافية. ومن أمثلة ردود الفعل المنشورة ما كتبه الأستاذ فضل الفضل في "الوطن" (8/2/1424)، وما كتبه الدكتور علي الموسى (الوطن، 922، 9/2/2003). ويتضمن ما كتباه رصدا لبعض الحالات الواقعية للآثار السيئة الناجمة عن هذه الممارسات السادية.
وهنا مثالان آخران من ردود الأفعال:

فقد كتب لي أحدهم، وهو من أكثر من عرفتُ التزاما بالدين منذ أن كان صغيرا:
"أنا لا أدري حقيقة لِم لا أسمع في الخطب وكلمات المساجد عن حب الله، ووده لعبده. لا أدري لم الإصرار على سَوْقنا نحو رحمات السماء بسياط الوعظ المسبب للرهاب. كم أتمنى أن ننقاد لربنا بأجنحة الحب والشفافية والود له تعالى وتقدس. لا أدري لمه؟؟!! حين يتحدث خطيب عن النار والخطايا نطرِق فكأنه سيقول دونكم الرجل فخذوه..!! لذلك نُطرق لكنما لو تحدث عن هبات الله ونعيمه الذي وعد به عباده، فإنا سنزفر بآهات حرّى.. تنفِّس بعضا من إحباطنا لأن تلك الدرجات ليست لنا. أشعر أن ثمة فهما متخشبا جافا للإسلام سيطر على الطرح لدينا. ربما تعاون كل من الذهنية الصحراوية صاحِبة الحدِّية والخيارات الثنائية مع طباع البشر هنا فنشأت منظومة غريبة كل الغرابة من الفكر".
والمثال الثاني أنه أتيح لي في الأسبوع الماضي لقاء عدد من الأفاضل، وبعضهم مدرسون للمواد الدينية في مراحل التعليم العام، وكانوا يشْكون مر الشكوى من سيطرة هذا التيار في المدارس، وهم ينكرونه أشد ما يكون الإنكار.
وقد جعلني ذلك كله أطمئن إلى أني في صحبة طيبة؛ ومن هنا فإذا أحل أحد لنفسه أن يشكك في انتمائي للإسلام الصحيح (وهذا بهتان عظيم)، فلا يمكنه أن يشكك في انتماء هذه الصحبة الطيبة إليه. ويكفي اتفاقها معي في مجمل ما كتبته برهاناً لإقناع بعض القراء المتشككين بأن ما قلتُه لا يمثل رأيا خاصا بي، بل شعورا مشتركا بين كثير من المسلمين الأسوياء.

 

 


صحيفة الوطن بتاريخ 17 إبريل 2003م