الزعامات العربية الانخداعية
د. حمزة بن قبلان المزيني
لا يكاد الملاحِظ للزعامات العربية يصدِّق مدى تعرُّضها المتكرر للخديعة، وعدم تعلُّمها شيئا من مرات وقوعها ضحية لخداع أصدقائها قبل أعدائها. وسأعرِض في ما يأتي ثلاث حالات اعترفت فيها بعض الزعامات العربية بأنها وقعت ضحية لنصح أصدقائها ثم تبيَّن في ما بعد أن هذا النصح لم يكن إلا نوعا من الخديعة، وسأعقِّب ببعض الإشارات السريعة لوقائع أخرى اعترفت الزعامات العربية بأنها خدعت فيها.
1ـ وأشهر واقعة خداع ما اعترفت به الزعامة المصرية في حرب 1967. فقد كان من بين الأعذار التي قدِّمت لوقوع تلك الهزيمة الماحقة أن الزعامة السوفييتية أكدت قبل يوم أو يومين للزعامة المصرية أن إسرائيل لن تكون البادئة بالحرب، لذا يجب ألا تبدأ مصر بضربة استباقية. وركنت الزعامة المصرية لهذا الوعد الكاذب، وكانت النتيجة بدء إسرائيل في صباح الخامس من يونيو هجومها الكاسح على القوات المصرية وتدميرها تدميرا كاملا.
2ـ ونعرف جميعا أن إحدى الحجج التي سوَّغ بها العراق وقوعه في خطيئة غزو الكويت أن السفيرة الأمريكية غلاسبي أوحت للزعامة العراقية بأن الولايات المتحدة لن تأبه بما سيحدث لو غزا العراق الكويت. واعترفت الزعامة العراقية من خلال أبواق دعايتها بأن هذه كانت خديعة.
3ـ والواقعة الثالثة ما اعترف به الرئيس صدام حسين في مقابلة نشرتها جريدة الشرق الأوسط يوم 24/2/ 2003 من أن الزعامة السوفييتية نصحت الزعامة العراقية بعدم بدء الهجوم البري في حرب 1991م. وكانت نتيجة هذه الخدعة ما نعرفه من هزيمة لا مثيل لها للجيش العراقي الذي سُلب المبادرة.
ومما يُحمد للزعامات العربية أنها تعترف، في الأقل، بوقوعها ضحية للخديعة في هذه الحالات الثلاث. ومن المؤكد أنه لم يَتبع اعترافها ما كان يجب أن يَحدث، وهو: أن تتحمل هذه الزعامات المسؤولية وتترك القيادة لغيرها. بل إن هذه الاعترافات لم تأت في سياق تحمل المسؤولية، إنما جاءت في سياق تسويغ الخطأ، وترميم صورة الزعيم المهترئة.
ونعلم جميعا أن الزعامة الإسرائيلية في 1973م كانت ضحية لخداع المصريين والسوريين، وهو ما جعلها تفشل في التنبوء بالهجوم الوشيك. لكن تلك الزعامة اعترفت بخطئها ودفعت ثمن إهمالها وتنحَّت شخصيات يعدها الإسرائيليون تاريخية.
ولم تكن هذه الحالات الثلاث وحيدة؛ بل يكاد التاريخ العربي الحديث كله يكون سلسلة من وقوع الزعامات العربية ضحية للخداع.
وإذا اقتصرنا على القرن العشرين، فأول حالات الانخداع كان ثقة العرب، بقيادة الشريف حسين، بوعد بريطانيا وفرنسا لهم بالاستقلال إن انضموا إلى صف الحلفاء ضد تركيا وألمانيا. وكانت النتيجة أن كوفئ العرب بتقسيم البلاد العربية إلى مناطق نفوذ بين الدولتين المنتصرتين، وقطِّعت أوصال المنطقة العربية إلى دويلات تفصلها حدود رسمتْها القوتان المنتصرتان عشوائيا. ومهد هذا السبيلَ لزرع إسرائيل في فلسطين بعد أن أُوكل أمرها إلى ثعالب السياسة الإنجليزية.
وثاني حالات الانخداع، ما نعرفه جميعا من تدخل الزعامات العربية لإيقاف الانتفاضة الفلسطينية الكبرى سنة 1936م. وكان هذا التدخل مدفوعا بوعد من بريطانيا بـ"تسوية النزاع" في فلسطين بطريقة تحفظ حقوق أهل البلاد الشرعيين.
ثم أعقب ذلك انخداع الزعامات العربية بالهدنة في إبان الصراع العسكري، في سنة 1948 وما بعدها، كلما وجدت إسرائيل نفسها في وضع غير ملائم. وكانت الزعامات العربية تقبل، دائما، تدخُّل "الأصدقاء" وتقبل بالهدنة حتى تستعيد إسرائيل أنفاسها وتعاود عدوانها العسكري وتحتل مزيدا من الأراضي العربية وتطرد مزيدا من الفلسطينيين.
ولم تتعلم الزعامات العربية، وإن مرة واحدة، من هذه الحالات المتكررة للخديعة.
ومن الأمثلة الأخرى لوقوع هذه الزعامات في شرك الخداع، أن الولايات المتحدة جندت كثيرا من الدول العربية لحرب الاتحاد السوفييتي بالواسطة لمدة خمسين عاما تعلُّلا بحرب المؤمنين ضد الشيوعية الكافرة. وقد وصل الأمر ببعض الدول العربية أن تحارب مع الولايات المتحدة ما كان يسمى بالنفوذ الشيوعي، لا في المنطقة العربية والإسلامية فحسب، بل لقد حاربت تحت هذا الشعار في أمريكا اللاتينية أيضا.
وأكبر الخدع التي جلبت على العرب والمسلمين الدمار والقلاقل التي لا نهاية لها، ولا نزال نتجرع مرارتها، ما قامت به الولايات المتحدة بواسطة وكالاتها الاستخبارية من تجنيد المسلمين لخوض الحرب ضد الاتحاد السوفييتي في أفغانستان. وقد سمعنا جميعا بالمعجزات التي كانت تحدث للمجاهدين الذين يستشهدون في هذه الحرب، حتى كان يتمنى المشاركة فيها القادر وغير القادر.
لكننا نعرف النتيجة المرة التي جنيناها من هذه الحرب التي خضناها نتيجة لانخداعنا بالحيل التي مارسها علينا صديقنا الأمريكي الحميم.
ومن الخدع ما وقع أثناء أزمة غزو العراق للكويت؛ وهو أن الولايات المتحدة هوَّلت قوة العراق حتى صدَّق "الخليجيون" أنهم سيقعون في غضون أيام في قبضة صدام حسين، وهو ما جعلهم يلوذون بالصديق الحميم طلبا للحماية. لكن الحرب بيَّنت أن العراق لا يمتلك تلك القوة المزعومة ولا يمثل خطرا على "الخليجيين". ومع هذا أبقت الولايات المتحدة على صدام حتى تقيَّد بعض الدول الخليجية بمعاهدات لا تجعلهم يملكون من أمرهم وأمر بلادهم شيئا (وهذا ما اعترف به وزير خارجية قطر حين قال قبل أيام إننا لا نملك أن نطلب من أمريكا عدم استخدام أراضينا ضد العراق). وزيادة في نكاية صديقنا الحميم بنا جعلنا نموِّل تلك الحرب تمويلا كاملا.
إن هذه الحالات الكثيرة من وقوع الزعامات العربية في شرك الخداع لافتة للنظر. ويبدو أن سببها هو أن الحاكم الفرد لا يمتلك صورة كاملة وصادقة عن ما يحدث، وذلك لتواضع مؤهلاته الفكرية والسياسية، ولإحاطته نفسه بجوقات المؤمِّنين الذين يشبهونه في تواضع المؤهلات ويتميزون عنه بالنفاق والاستخذاء وكتمان الكلمة الصادقة، إن عرفوها. ويبدو أن كثيرا من هذه الزعامات لا تتصف وإن بقدر متواضع من الحياء والخجل اللذين يوجبان عليها أن تتوارى عن الأنظار بعد أن يَثبت، وتُثبت هي، أنها وقعت ضحية للخداع.
فسبب الهزائم العربية المتكررة واضح جدا، إذن؛ ويتمثل في الحكم الفردي وعدم إشراك الناس الذين يمتلكون المعرفة والأمانة والصدق في إدارة أمور الوطن وتجنيبه أن يكون أضحوكة للعالمين وهدفا للشامتين وميدانا للمغامرين والطامعين.
صحيفة إيلاف الالكترونية بتاريخ 20 مارس 2003م