|

انفتحت
صفحة جديدة لجهاد الصليبيين بظهور عماد الدين زنكي بن أقسنقر وبدء عهد
الدولة الزنكية في الموصل وحلب، فقد تولى عماد الدين زنكي أمر ولاية الموصل
وأعمالها سنة 521هـ بعد أن ظهرت كفاءته في حكم البصرة وواسط وتولَّى شحنكية
العراق(36)، وفي محرم سنة 522هـ تمت له السيطرة على حلب. وأخذ عماد الدين
يخوض المعارك تلو المعارك ويحقق الانتصارات على الصليبيين، وعلق ابن الأثير
بعد أن تحدث عن انتصار عماد الدين على الفرنج في معركة كبيرة وملكه حصن
الأثارب وحصاره حارم سنة 524هـ... «وضعفت قوى الكافرين، وعلموا أن البلاد
قد جاءها مالم يكن لهم في حساب، وصار قصاراهم حفظ ما بأيديهم بعد أن كانوا
قد طمعوا في ملك الجميع»(37).
واستمرت جهود زنكي في توحيد قوى المسلمين في غزو الصليبيين، فملك زنكي حماة
وحمص وبعلبك، وسرجي، ودارا، والمعرة، وكفر طاب، وقلعة الصور في ديار بكر،
وقلاع الأكراد الحميدية، وقلعة بعرين، وشهرزور، والحديثة، وقلعة أشب وغيرها
من الأكراد الهكارية(38).. . وفي سنة 534هـ حاول زنكي الاستيلاء على دمشق
مرتين دون جدوى، فقد كانت دمشق المفتاح الحقيقي لاسترداد فلسطين من جهة
الشام، غير أن القائم بأمر الحكم هناك معين الدين أنز راسل الصليبيين
للتحالف ضد زنكي ووعدهم أن يحاصر بانياس ويسلمها لهم ووافقوا، ولكن زنكي
ذهب إليهم قبل قدومهم لدمشق فلما سمعوا ذلك لم يخرجوا. ومع ذلك فإن معين
الدين حاصر بانياس بمساعدة جماعة من الفرنج ثم استولى علىها وسلمها
للفرنج(39)!!
غير أن أشهر ما يذكر من الفتوح لزنكي هو فتحه للرها وإسقاطه للمملكة
الصليبية التي قامت بها، فقد حاصرها أربعة أسابيع وفتحها عنوة في 6 جمادى
الآخرة 539هـ، وفتح ما يتبع هذه المملكة من أعمال في منطقة الجزيرة، وفتح
سروج وسائر الأماكن التي كانت للفرنج شرقي الفرات ما عدا البيرة(40).

قتل عماد الدين زنكي -بعد أن حمل راية الجهاد أكثر من عشرين عاماً- في
منتصف سبتمبر 1146م- 5 ربيع الأول 541هـ غدراً على يد جماعة من مماليكه
بينما كان يحاصر قلعة جعبر(40)، وكان عمره زاد عن ستين سنة وعلى ما ذكر ابن
الأثير فقد كان زنكي شديد الهيبة في عسكره ورعيته، عظيم السياسة، لا يقدر
القوي على ظلم الضعيف، وكانت البلاد قبل أن يملكها خراباً من الظلم وتنقل
الولاة ومجاورة الفرنج، فعمّرها وامتلأت أهلاً وسكاناً «وكان زنكي من خيار
الملوك وأحسنهم سيرة وشكلاً، وكان شجاعاً مقداماً حازماً، خضعت له ملوك
الأطراف، وكان من أشد الناس غيرة على نساء الرعية، وأجود الملوك معاملة،
وأرفقهم بالعامة»(43). واشتهر عماد الدين بعد مقتله بلقب «الشهيد».
لقد عمل عماد الدين زنكي في أجواء صعبة من نزاع بين أمراء وزعماء السلاجقة
أنفسهم، وبينهم وبين الخليفة العباسي في أحيان أخرى، ومن أجواء الحكم
الوراثي، ونزعة الكثيرين للسيطرة والزعامة حتى ولو على مدينة أو قلعة واحدة،
كما عاش فترة كانت القوى الصليبية لا تزال تملك الكثير من القوة والحيوية.
ومع ذلك فقد استطاع عماد الدين أن يضع الأسس لقاعدة انطلاق جهادية كبيرة
وقوية تمتد من شمال الشام إلى شمال العراق، كما كسر شوكة الصليبيين في
مواقع كثيرة، ويسر سبل الجهاد والعمل الجاد لتحرير الأرض، وقدم نموذجاً
للحاكم والمجاهد تحت راية الإسلام، وقوى الأمل باسترجاع المقدسات. غير أن
أفضل أثر تركه -على ما يظهر لنا- هو ابنه نور الدين محمود.

|